صديق الحسيني القنوجي البخاري
75
أبجد العلوم
الجسمانية . ولهذا كان الإمام الثاني محمد بن الحسن الشيباني « 1 » يقول عندما انحلت له مشكلات العلوم : « أين أبناء الملوك من هذه اللذة » سيما إذا كانت الفكرة في حقائق الملكوت وأسرار اللاهوت ، ومن لذته التابعة لعزته أنه لا يقبل العزل والنصب مع دوامه لا مزاحمة فيه لأحد ، لأن المعلومات متسعة مزيدة بكثرة الشركاء . ومع هذا لا ترى أحدا من الولاة الجهال إلا يتمنون أن يكون عزهم كعز أهل العلم ، إلا أن الموانع البهيمية تمنع عن نيله . وأما اللذائذ الحاصلة لغيره : إما في الأخرى فلكونه وسيلة إلى أعظم اللذائذ الأخروية والسعادة الأبدية ، ولن يتوصل إليها إلا بالعلم والعمل ، ولا يتوصل إلى العمل أيضا إلا بالعلم بكيفية العمل . فأصل سعادة الدارين هو العلم فهو إذا أفضل الأعمال . وأما في الدنيا فالعز والوقار ونفوذ الحكم على الملوك ولزوم الاحترام في الطباع فإنك ترى أغبياء الترك وأجلاف العرب وأراذل العجم يصادفون طباعهم مجبولة على التوقير لشيوخهم لاختصاصهم بمزيد علم مستفاد من التجربة . بل البهيمة تجدها توقر الإنسان بطبعها لشعورها بتمييز الإنسان بكل مجاوز لدرجتها حتى أنها تنزجر بزجره وإن كانت قوتها أضعاف قوة الإنسان . * * * التعليم الثاني ، في نفعه : اعلم أن السعادة منحصرة في قسمين ، جلب المنافع ودفع المضار . وكل منهما دنيوي وديني . فالأقسام أربعة : [ القسم ] الأول : هو ما ينجلب بالعلم من المنافع الدينية ، وهو خفي وخلقي ، أشار إلى نفعه الأول قوله صلّى اللّه عليه وسلم في الحديث السابق : « فإن تعلمه للّه خشية . . . » إلى آخره . وإلى نفعه الثاني قوله صلّى اللّه عليه وآله وسلم « وتعليمه لمن لا يعلمه صدقة ، وبذله لأهله قربة » . [ القسم ] الثاني : وهو ما ينجلب بالعلم من المنافع الدنيوية ، وهو وجداني ، وذوقي ، وجاهي رتبي . والوجداني إما راحة أو استيلاء ، والراحة إما من مشقة وجود ظاهر للنفس أو من فقد سارّ لها بالأنس . وكل منهما إما خارجي وإما ذاتي . فالراحة أربعة أقسام .
--> ( 1 ) هو محمد بن الحسن بن فرقد العلامة فقيه العراق أبو عبد اللّه الشيباني الكوفي صاحب أبي حنيفة . ولد بواسط سنة 131 ه ، ونشأ بالكوفة ، ومات في الري سنة 189 ه . انظر ترجمته في سير أعلام النبلاء ( 9 / 134 ) وشذرات الذهب ( 1 / 321 ) .